أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

202

التوحيد

لا يناقض ما يوجبه العقل ، ولولا الأمر كان الأول بالعقل وحشيا ، فأما أن يعرف وجه الحكمة في الأمر أو لا يعرفه بالذي عرفناه لم يجب دفعه بما يتعذر عليه وجه الثاني ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيّد الذي ذكرت أمر الشاهد أن كل قوي يرتفع ويجل بقوته ولا يؤمر الجليل العظيم بشيء ، ثبت أن في الأمر ذلة واستعبادا ، فهو لا يوجب ذلك ، وفي الإقدار رفعه وعلوه فهو يوجب ، واللّه الموفق . وبعد ، فإذ لا توجد قدرة لا تضيع فوجودها يوجب الفعل الذي يقصد ، وحق الأمر اللزوم لا وجود الفعل ، وكم من أمر به لا ائتمار هنالك ؛ فلذلك لم يجب به . وما ذكر في اللّه فهو بقدرته ونفاذ مشيئته وجري سلطانه ، فتمت ربوبيته واستوجب الجلال والرفعة بذاته ، لم يجز أن يكون فيه ما ذكر من الخوف ، بل به تمام الحكمة وعلو الرتبة ، وفي إيجاب ذلك لغيره نقض . ألا ترى أنه قد نقض قول الثنوية بالذي ذكرت ، ولا يقبل قولهم بمعارضته مثله في اللّه أنه يقدر على ما علم أنه لا يفعل ، فإذا يقدر على نقض ربوبيته ، وبمثله جعلوه في غيره معارضا موجبا ذلك ، فمثله الذي نحن فيه . ووجه آخر أنه لا يوجب للّه قدرة ولا علما بقوله له قدرة بكذا وعلم بكذا لا معنى له ، وذلك متحقق في غيره ، فالمعارضة له لازمة . وأيضا أن اللّه إذ هو قادر بذاته ، عالم بذاته ، فمحال وصفه بالذي ذكر ؛ إذ بذلك تمت ربوبيته وجل سلطانه وألوهيته ، وقد يكون الشيء الموصوف بذاته مما إذا ثبت لغيره عليه سلطان تجري قدرته عليه كالأعراض التي هن مختلفات لأنفسهن ، والأجسام لهن ، أو الأجسام التي هن قائمات بأنفسهن والأعراض بهن ، ثم للّه عليها سلطان وملك ، فلو جعلنا على اللّه في إبطال تقديره ونقص تدبيره وإزالة علمه ونفي الحقيقة عن خبره لكان تحت قدرة غيره وفي سلطان آخر ، فتعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . مع ما الإطلاق يرجع إلى الأمر ، وقد بيناه . ومسألتان في القدرة على القدرية يوجبان أن اللّه ليس بقادر بذاته . أحدهما أنهم قالوا : يقدر اللّه جل ثناؤه على حركات العباد وسكونهم ، فلما أقدرهم على تلك الحركات والسكون زالت عنه القدرة عليها ، فيكون قادرا في التحقيق بغيره ؛ إذ هو بذاته على ما كان عليه . فلو كانت تلك القدرة له بذاته لم تكن تزول عنه إذا أقدر عليها غيره . ومما يبين ذلك أنه إذ كان عالما لذاته بكل شيء ، لم يذهب علمه لمّا أعلم غيره ، فمثله القدرة . مع ما كانت أدلة غيريّة الأعراض للأجسام هي وجود الأجسام دونها ، ومثل ذلك علّة غيرية القدرة والعلم في الشاهد إنهما غير الذي له ، فكذلك القول بالذي قالوا في اللّه سبحانه . ومما يزيد لهذا وضوحا أنه لو أراد أن يحركه بحركة الاضطرار ويسكّنه ذلك التسكين ومعه تلك القدرة لم يقدر عليه حتى